إدريس أحمد
hamada.d.1968@gmail.com
Blog Contributor since:
11 June 2019



Arab Times Blogs
عن الفكر النقدي و استخدامه في عملية التجديد الديني

الفكر النقدي الذي أتبنَّاه و أدعو إليه لا علاقة له بالسب و الشتم للأشخاص، أو السُّخرية الجارحة من مُعتقدات و ثقافات الناس ؛ بل يعمل بصدق و بلباقة و حكمة و لكن دون وَجَل على تصحيح ما أراه غير صائب، و تُعبِّر عنه هذه المقولة لفيلسوف عظيم : « من المفيد في كل الشؤون أن تقوم، من حين لآخر، بِوَضع علامة استفهام على الأشياء التي طالما اعتبرتَها من المُسلَّمات » (برتراند راسل). لن يَعقِل من مشايخنا و عموم المتديِّنين عندنا هذه المقولة الفذة، و يرى بركتها و أنها بمثابة وحيٍ إلهي، إلاَّ أولئك الذين فقِهوا و استَوْعَبوا تماماً مراد هذه الآية القرآنية : « وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ : "اتَّبِعُوا ما أَنزَلَ الله"، قَالُوا : "بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا". أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لَا يَهْتَدُون ؟ » مُنزِّل القرآن يُؤكِّد و يقول : « لا إكراه في الدين »، و هم يقولون : « مَن بدَّل دينه فَقتلُه علينا فرض. » و بروح طيِّبة و نِيَّة صادقة خالصة أسأل، بعد التأكيد على أني لستُ من هُوَّاة الإستفزاز الأرعن و لا إلقاء الأحكام جُزافاً و بشكل اعتباطي من غير تفكير طويل و دراسة وَافِيَة للموضوع الذي أتحدث بشأنه، أسأل كل المُتشبِّثين لغاية الآن بحكم الرِّدة : هل في هذه المسألة الخطيرة جداً أنتم تتَّبِعون ما أنزل الله ؟ إن كان ما يمنَعُكم من الإقرار بالخطأ هو الكِبر فَيا لَلْمصيبة ! بَيْد أني أود أنْ أضيف بأنَّ ما أنزل الله ليس محصوراً في صفحات قرآن الله و كُلِّ ما تحويه الكتبُ المُقدَّسة كافة : آيات الخالق مبثوثة في الآفاق، في الأنفس، و في كل شيء على الإطلاق. و الخالق يخاطب كل واحد فينا بغير انقطاع عبر فطرته و ضميره و، كما أخبر القرآن، « لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي » لذا أتساءل و أنا في غاية الإندهاش : كيف تجرَّأ بعض شيوخ السلف على إعلان باب الإجتهاد في أمور الدين مُغلَقاً إلى نهاية الدنيا، كيف تجرَّأ بعض شيوخ السلف و الخلف على اعتبار التفكير الحر طريقاً شِبه مُؤكَّد إلى الكفر ؟

 

يقولون و يُردِّدون إن قرآننا يشيد بالعقل، بينما هم في الواقع لا يقيمون وزناً للعقل. لقد لاحظت أمراً آلمني كثيراً و ما عُدت أُطيق السُّكوتَ عنه : القرآن فتح أبْوَابَ التفكير الحر و التعبُّد بإعمال العقل على مِصراعيها، و جمهور المُلقَّبين عندنا بأهل العلم ما ادَّخروا وُسعاً في سبيل إغلاقها. جزء كبير من شغل هذه الطبقة هو إنشاء و صناعة الأصنام الفكرية أي إنتاجُ أفكار يُضفون عليها قداسة زائفة دون أن يروا في ذلك نقضاً للتوحيد. لهذا ما عادوا هُداةً للتي هي أَقْوَم و لا دُعاةً إلى دين قويم. لقد غاب عن أذهانهم ما يلي : الدين القويم و هو الذي يُوائِم الفِطرة و لا يصدِم الضمير و قبل كل شيء يُعين الحياة و يُحسِّنُها و يُخفف مِن قسوَتها، و يُعلِّم المخلوق الآدمِيَّ كيف يكون إنساناً بجدارة و مستحِقاً بالفعل أن يُسمَّى إنساناً، لا يُمكِن أن يستغني عن المُراجعة النقدية الدائمة و التصحيح المُستمر للتَّصوُّرات و الدعائم الفِكريَّة التي يقوم عليها. و هذا يقتضي عدمَ تصنيم أي فكرة هي نِتاج جهد بشري في محاولة فهم النصوص المُؤسِّسة للدين.

 

و طبيعي جداً أنَّ المراجعة الواعية و المسؤولة و النزيهة لِما نحن عليه مُكلِّفة و كذلك مُربِكة للمشاعر لكِنَّها ضرورية حقاً و لا مناص منها لِكَيْ نتجاوز ما نحن فيه. الحقيقة وحدها تُخلِّصنا و تُحرِّرنا مِن الحالة الحرجة التي نحن فيها، و المستقبل الذي نريد و نرجو بُلوغَه لن تصنعَه الأوهام بل الحقيقة. لا بد قبل كل شيء من رصد شامل للعيوب و النقائص، فنحن بحاجة لتمحيص دقيق لمفاهيمنا السائدة و قِيَمنا الرائجة التي تمارس في الغالب دوراً مضللاً للكثيرين و تسهم إلى حد كبير في تزييف وعي عموم الأمة، و النقدُ البنَّاء هو الخطوة الأولى على الطريق الصحيح. هو المصباح الذي ينير لنا الطريق. فنَقلُ أمتنا من وضعها الراهن إلى حالتها المَرجُوَّة يستحيل أن يتم من غير عملية نقد، نقوم به وَفْق قواعده و أصوله السليمة، هذه العملية تمنحنا رؤية واضحة واعية لحقيقة الأحوال و الأوضاع في كل الميادين.

 

إحدى البديهيات عند كل مَن لديه مُسكة عقل و حِس سليم أن النقد وسيلة و ليس غاية كما صار يبدو مِن خلال ممارسات بعض النُّقاد. فمعظم ما يوجد الآن في هذا الصَّدد، هو فقط تَكرار يفتقد الرؤية الإيجابية النقد الذي أعنيه و أنادي به، القرآن سمَّاه التواصي بالحق. نحن اليوم بعيدون عن التواصي بالحق الذي عاقبةُ تركه و هجره هي الخسران المبين كما يؤكد القرآن. لا أمل على الإطلاق في مستقبل أفضل لأمتنا الضائعة الهائمة ما دمنا مُواظبين و مُصمِّمين على رفض التواصي الأخوي الهادِئ بالحق ! لا بد إذاً أن يصير التواصي بالحق عُنوانَ أمة لا تزال ترى نفسها بِجِد خير أمة على مستوى المعمورة بأكملها و إلى الأبد. النهوض بالحق عسير بلا شك لكِنَّ التواصي بالحق ضرورة. فالمستقبل ينتظرنا. و العالَم يُنادينا. و التاريخ ينادينا. فلقد طال أكثر من اللازم غِيابُنا شبه التام عن الفعل التاريخي. و عليه فإني أهتف بحرارة أننا في حاجة مُلحة أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة شاملة فردية و جماعية لِمَقولاتنا الفكرية المُتوارَثة و لأنماط تفكيرنا و أساليب حكمنا على الأمور و حلِّنا لمشاكلنا و لأدوات تحليلنا و تفسيرنا للوقائع و الأحداث و لِطُرق تعامُلنا مع العالَم. هذا من شأنه أن يُوَسِّع أفق النظر إلى الأمور كما أنه يُكسبنا قدرة أكبر على التفاعل مع الآخرين و الإنفتاح على ثقافاتهم و الإستفادة منها و من دروس و خبرات التجربة الإنسانية الطويلة بشكل عام. كل ذلك من أجل أن نكون في مستوى الإستجابة الإيجابية لا لأهواء و إنما لمقتضيات العصر. و لكي ندخل التاريخ من جديد.

 

 

« عندما تكون العقيدة سطحيةً و يكون الإيمان سطحياً أيضاً و دون وعي، سُرعان ما تتحوَّل هاتان الميزتان إلى ضيق أفق و تبعية عمياء للخرافة، و تصبحان حجرَ عثرة أمام تطوُّر المجتمع. » (علي شريعتي)

 

« أكثر رجال الدين و أتباعهم، لا يَعنيهم إِتِّباعُ المنهج الإلهي، بِقَدْر ما يَهُمُّهم تعظيمُ و تقديس الأشخاص. لذلك أصبحت مجتمعاتنا تعيش وَثنِيَّة أعقد من وَثنِيَّة الجاهلية الأولى. » (مقتبس بتصرف)

 

« إذا فكرنا و سألنا كيف تحوَّلت دعوة كانت في مبدئها ثورية تقدُّمية عصرية، إلى أداة حَجْر على الفكر و تجميد للمجتمع، هدانا تفكيرنا إلى عِلتَيْن لم تكونا في الإسلام الأول، بل ظهرت كلتاهما في عصور انحدار الحضارة الإسلامية، ثم رسختا و توطَّدتا حتى خُيل للناس أنهما من أصول الدين الإسلامى. إحداهما بروز طبقة تحتكر تفسير الدين، و تدَّعي أن لها وحدها حق التحدث بإسمه و إصدار الحكم فيما يُوافقه من الآراء و المذاهب و ما لا يوافقه، أي أنها طبقة كهنوتية و إن لم تتَّسِم بهذا الإسم صراحة. و ثانيتهما اعتقاد تلك الطبقة أن ما ورد في المصادر الدينية السابقة من تشريعات و أجوبة و حلول هي تعاليم ملزمة يُفرض اتباعها، و لا يجوز تعديلها. » (محمد النويهي، "نحو ثورة في الفكر الديني"، 2010)

 

« مِن أسباب عدم إنتاج الفكر، أو الجمود الفكري، أن الكثير من الناس يعتقدون أنهم يُفكِّرون، بينما هم في الواقع يعيدون ترتيب تَحيُّزاتِهم و تلقيناتهم و أحكامهم المُسبقة ذهنياً. » (مقتبس بتصرف)

 

« من إسلامك : أن تكون دائماً على بصيرة فلا تخبط خَبْطَ عشواء، و أن تُجدِّد نفسك و تُقوِّم مسارك باستمرار، و أن تُخلص النية و القصد و تَطلُب الحق و الصواب في كل فكر أو قول أو عمل. » (عصام العطار)







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز