حسين حسين
hussainalwanhussain1951@yahoo.com
Blog Contributor since:
17 April 2020



Arab Times Blogs
عماية البصيرة في مقالة نضال نعيسة / 3-5

أعود الآن إلى النص السابق المفتري ليس على حضارة العرب و حسب ، بل و على تاريخ الحضارة البشرية برمته ، للأسف الشديد .

النص الكارثي للأستاذ نضال نعيسة المحترم يقرأ بالضبط  و بالحرف الواحد :

"ولم يعرف لاحقاً حتى في أوج التمدد والتوسع الإمبراتطوري العسكري أي العهد العباسي عن أي عالم "قبلي" أو من قبيلة وأصول من الحجاز ..."

أنتهى  اقتباسي من النص .

هل هذا الافتراء حائز على ذرة من الصحة في ضوء ثوابت التاريخ ؟ قطعاً ، لا ، البتة .

أستطيع أن أسوق عشرات الأمثلة التاريخية الصارخة التي تنسف الكذبة النعيسية المسطرة أعلاه جملة و تفصيلاً ، و لكنني سأكتفي لضيق المقام بذكر مثالين إثنين فقط من ألـ :" عالم "قبلي" أو من قبيلة وأصول من الحجاز " على حد قول المنقود ، و اللذين لم يشهد تاريخ كل شعوب العصور الوسطى للكرة الأرضية برمتها وجود مثلهما ، و كلاهما من أعظم علماء البشرية على مر العصور : الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي (الأزد هم أول القبائل العربية إيمانًا بمحمد و منهم أنصاره الأوس والخزرج ، و منهم العديد من جدات الرسول ، و منهم أكابر قريش) و عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي (و جده هو الصحابي وائل بن حجر ، مثل الأشعث الكندي جد الكندي ، فيلسوف العرب) .

سأبدأ بابن خلدون ، و هو عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون أبو زيد ولي الدين الحضرمي (1332 - 1406م) الذي يخبرنا بنفسه في تاريخه "كتاب العِبَر" المعروف باسم "تاريخ ابن خلدون" أنه من سلالة الصحابي وائل بن حجر ، وأنّ أجداده من حضرموت حيث يقول :

 "ونسبنا في حضرموت من عرب اليمن إلى وائل بن حجر من أقيال العرب ، معروف وله صحبة" .

إذن ، جد إبن خلدون الحضرمي كان من أصحاب النبي محمد في "يثرب الداعشية" - كذا ، على حد قول المنقود . و لكن ما معنى "القيل" في عبارة إبن خلدون "أقيال العرب" ؟ معناها أن جده كان أحد ملوك اليمن المحليين في الجاهلية ، دون الملك الأعظم ! و لكن لا ، لا توجد حضارة في شبه جزيرة العرب ، و لا ملوك ، و لا من يفرحون ، يقول لنا الأستاذ نضال نعيسة المحترم ! و هذا ما يثبت أن الجاهل ليس فقط عدو الآخرين من العرب و المسلمين ، بل هو عدو نفسه قبل كل شيء آخر . ما هي إنجازات ابن خلدون العلمية ؟ الجواب الثابت القاطع هو : وضع الحجر الأساس الراسخ لأربعة علوم جديدة لم تكن الإنسانية قد عرفتها من قبله : علم التاريخ ، علم الاجتماع ، علم الاقتصاد السياسي ، و علم الأنثروبولوجيا ! من غيره في التاريخ فعل هذا ؟ لا أحد !

يقول فيه عالم التاريخ البريطاني "أرنولد توينبي" ما يلي : " لقد ابتكر ابن خلدون وصاغ فلسفة للتاريخ هي بدون شك أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم " .

و يقول فيه المؤرخ "جورج مارسيز" الفرنسي : "إن مؤلف ابن خلدون هو أحد أهم المؤلفات التي أنجزها الفكر الإنساني " .

و يقول فيه "إيف لاكوست" الفرنسي : " إن مؤلف ابن خلدون يمثل ظهور التاريخ كعلم ، وهو أروع عنصر فيما يمكن أن يسمى بالمعجزة العربية" .

و يقول فيه أعظم فيلسوف و عالم اقتصاد عرفه العالم كارل ماركس الألماني : " كان ابن خلدون هو أول من عرف أن الوعي الاجتماعي يحدده الوضع الاجتماعي " .

و يقول فيه الروائي غوركي الروسي في رسالته للمفكر الروسي أنوتشين : " إنك تُنْبِئْنا بأن ابن خلدون في القرن الرابع عشر كان أول من اكتشف دور العوامل الاقتصادية وعلاقات الإنتاج . إن هذا النبأ قد أحدث فينا وقعاً مثيراً ، وقد اهتم به صديق الطرفين (المقصود به فلاديمير لينين) اهتماماً خاصاً" .

و يقول فيه قائد ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى لينين الروسي : " تُرى ، أليس في الشرق آخرون من أمثال هذا الفيلسوف  ؟" .

و يقول فيه روجيه غارودي الفرنسي : " و بخصوص دراسة بنية المجتمعات وتطورها ، فإن أكثر الوجوه تقدماً يتمثل في شخص ابن خلدون : العالم و الفنان و رجل الحرب و الفقيه . إنه فيلسوف القرن الرابع عشر الذي يضارع بعبقريته العالمية عمالقة النهضة عندنا " .

هل يعلم الأستاذ نضال نعيسة المحترم أن إبن خلدون كان هو أول من اكتشف أن العمل البشري وحده هو خالق القيمة (labour theory of value) – و ذلك قبل آدم سمث و ريكاردو و ماركس بخمسة قرون – عندما قال في مقدمته : " فاعلم أن ما يفيد الإنسان ويقتنيه من المتمولات إن كان من الصنائع فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله . إذ ليس هناك إلا العمل ، مثل النجارة والحياكة معهما الخشب والغزل ، إلا أن العمل فيهما أكثر فقيمته أكثر، وإن كان من غير الصنائع فلا بد في قيمة ذلك المفاد والقنية من دخول قيمة العمل الذي حصلت به ، إذ لولا العمل لم تحصل قيمتها. فقد تبين أن المفادات والمكتسبات كلها إنما هي قيم الأعمال الإنسانية" ؟

و هل يعلم الأستاذ نضال نعيسة المحترم أن ابن خلدون هو أول من نبّه البشرية إلى مفهوم "فائض القيمة" (surplus value) (العمل بدون عوض) (unpaid labour) – و  الذي من دونه لا تقوم للاقتصاد الماركسي كله و لا للنظام الرأسمالي قائمة – عندما قال : "و جميع ما شأنه أن تبذل فيه الأعواض من العمل يستعمل فيه الناس من غير عوض فتتوفر قيم تلك الأعمال عليه ، فهو بين قيم للأعمال يكتسبها ، و قيم أخرى تدعوه الضرورة إلى إخراجها ، فتتوفر عليها ، و الأعمال لصاحب الجاه كبيرة ، فتفيد الغني لأقرب وقت ، و يزداد مع مرور الأيام يساراً و ثروة" ؟

و لو كان الأستاذ نضال نعيسة قد جشم نفسه عناء تثقيف نفسه قليلاً بقراءة هذا النص لأبن خلدون لكان قد أدرك ماهية الحضارة ، و لجنّب ذاته فضيحة الخلط بين الضرورات الاقتصادية للتباين بين قيم أهل البداوة و أهل الحضر : ".. هو خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة هذا العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن الكسب والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال .. إن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم في المعاش .. إن أهل البدو المنتحلون للمعاش الطبيعي . وإنهم مقتصرون على الضروري من الأقوات والملابس والمساكن و سائر الأحوال والعوائد."

و هل يعرف الأستاذ نضال نعيسة المحترم أن ابن خلدون هو من أوائل العلماء الذين اكتشفوا مبدأ النشوء و الارتقاء الطبيعي (evolution) للأنواع ، فأشار للشبه بين القرد و الإنسان حيث يقول في مقدمته : "ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدرج : آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات من الحشائش وما لا بذر له ؛ وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط . ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد القريب لأن يصير أول أفق الذي بعده ، واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والرؤية ، ترتفع إليه من عالم القردة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل، وكان ذلك أول أفق من الإنسان بعده ، وهذا غاية شهودنا" ؟

سأكتفي بهذا النزر اليسير من إنجازات ابن خلدون العلمية الفذة ، على أن أعود إليها مفصلاً في سلسلة مقالات لاحقة .

و لكن لا ، يقول لنا الأستاذ نضال نعيسة ، الصحيح و الثابت تاريخياً هو ليس ما تقدم من النصوص الموثقة ، بل هو هذا السلح : " ولم يعرف لاحقاً حتى في أوج التمدد والتوسع الإمبراتطوري العسكري أي العهد العباسي عن أي عالم "قبلي" أو من قبيلة وأصول من الحجاز " !

طيب ، لما كان الأستاذ المحترم نضال نعيسة المحترم يعتبر نفسه شخصاً متحضراً و ليس بدوياً "من قبيلة و أصول من الحجاز" مثل ابن خلدون... إبن وائل بن حجر من صحابة النبي - على حد قوله - في "يثرب الداعشية - كذا" الذي أهدى الإنسانية أسس أربعة علوم جديدة ، فليكتشف الأستاذ نضال نعيسة المحترم لنا– نحن "البدو العرب" المتخلفين المساكين – عشر معشار نصف ربع علم جديد ، و ليس أربعة علوم جديدة دفعة واحدة مثلما فعل ابن خلدون ، فيكايد و يبز بإنجازه الفذ هذا البدو المتخلفين مثلي عندما يقولون له : " أي دبدبا ، تدبدبي ؛ أي طرطرا ، تطرطري ".

 

يتبع ، لطفاً .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز